السيرة الوظيفية وآفة التشتت
ما هي السيرة الوظيفية؟
هي المسار المهني الذي يسلكه الشخص خلال حياته العملية، تبدأ من التعليم والخبرات المكتسبة إلى جميع الوظائف التي يمر بها منذ دخوله سوق العمل. عندما يتخرج الطالب ويحصل على وظيفته الأولى، فهذه نقطة تحول هامة في حياته ليس على المستوى المهني فحسب.
وقود الأمل… والمقارنة المُضلِّلة
في بداية المسيرة الوظيفية يكون الشخص شعلةً من النشاط، يحرّكه وقود الأمل لمستقبل أفضل. لكنه في تلك الفترة يقوم — بقصد أو دون قصد — بمقارنة نفسه بأقرانه من زملاء الدراسة، الذين يصبحون مؤشراً يقيس من خلاله نجاحه. وهو مؤشر مُضلِّل.
بيئة العمل تصنعك أو تكسرك
الإنسان كائن اجتماعي ومُقلِّد، يشعر بالأمان حين يتخذ قراراً يطابق قرارات أقرانه. في البيئات التنافسية تجد الموظفين الجدد يطورون مهاراتهم وعلاقاتهم تلقائياً وإلا أصبحوا آخر الركب. وفي المقابل، هناك بيئات يُعدّ فيها حضور ورشة عمل أو الحصول على شهادة مهنية "مضيعة للوقت".
حدّثني أحد أصدقائي عن بنك استثماري كانت ثقافته عالية الإنتاجية؛ يأتي الموظفون حديثو التخرج قبل ساعات من بدء العمل للدراسة للحصول على شهادات CPA وACCA. لكن النهاية كانت غريبة: البنك سرّح أغلب موظفيه بسبب خسائر متراكمة، وأغلب الموظفين توقفوا عن الدراسة بعد انتقالهم. صديقي كان من القلة القليلة الذين أكملوا وحصلوا على الشهادة.
آفة التشتت
حماس البدايات يتضاءل بفعل ثقافة بيئة العمل، والمقارنة بالأقران، وغياب الهدف الواضح في المسار المهني. هذه العوامل مجتمعةً تؤدي إلى "التشتت" — لأن الهدف غير موجود أصلاً.
كم مرة حضرنا ورشات عمل أو حاولنا تعلم مهارة جديدة كانت "مطلوبة في السوق"؟ كم مرة بدأنا شيئاً جديداً لم يكتمل — أو اكتمل لكنه لم يضف لنا أي شيء؟
FOMO في المسار المهني
هناك ظاهرة معروفة في الاستثمار تسمى FOMO — Fear of Missing Out، أي الخوف من فوات الفرصة، ما يدفع الشخص لمتابعة ما يفعله الآخرون وتقليدهم، فيصدر قرارات أقل أضرارها استنزاف الوقت والجهد دون أثر إيجابي.
قصة تستحق التأمل
التقيت في أحد البنوك بزميلة سابقة بعد نحو عشر سنوات من عملنا معاً. أخبرتني أنها رفضت عرضاً لتصبح مديرة فرع — قفزة ملموسة في مسيرتها — لأن المنصب سيتطلب وقتاً أطول على حساب أسرتها. في هذه القصة البسيطة عبرة عميقة: هي كانت تقيس تأثير الترقية على حياتها، لا ما سيقوله الآخرون أو ان أقرانها سيسبقونها.
التشتت لا يصيب الأفراد فقط
شركة جنرال ماجيك — من أغرب قصص التكنولوجيا — استقطبت أفضل الكفاءات من آبل، لُقِّبوا بـ"فريق الأحلام". لكن الشركة كانت تفتقر إلى الهيكل الإداري والهدف الواضح؛ فالشركة كانت مجرد مهندسين ومبرمجين يبتكرون ما يحلو لهم، دون منتج أو مشروع واضح يعملون عليه. النتيجة؟ الفشل الذريع رغم العبقرية.
الحل: هدف واضح
أول ما يوضّح الصورة هو وضع هدف واضح بناءً على إمكانياتك وأولوياتك — لا على ما يفعله الآخرون. القياس بالأقران هو أكثر المؤشرات تضليلاً والاصعب على النفس؛ فالرغبات والظروف والإمكانيات تختلف كلياً حتى وإن بدا الناس متشابهين. الملح والسكر متشابهان في الشكل، لكن طعمهما مختلف تماماً.